سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
239
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
« أليس قد أنزل قرآنا عربيا غير ذي عوج ، وفصل فيه كل أمر أودعه تبيانا لكل شئ ؟ تقدست صفاته وتعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا . هو الصادق في وعده ، ووعيده ما اتخذا رسولا كذباً ولا أتى شيئا عبثا وما هدانا إلا سبيل الرشاد ولا تبديل لآياته تزول السماوات والأرض ولا يزول حكم من أحكام كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . يقول اللَّه : « ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذّكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون » [ الأنبياء : 105 ] ، ويقول « وللَّهالعزّة ولرسوله وللمؤمنين » [ المنافقون : 8 ] وقال : « وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين » [ الروم : 47 ] وقال : « ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى باللَّه شهيدا » [ الفتح : 28 ] . هذا ما وعد اللَّه في محكم الآيات مما لا يقبل تأويلًا ولا ينال هذه الآيات بالتأويل إلا من ضل عن السبيل ورام تحريف الكلم عن مواضعه . هذا عهده إلى هذه الأمة المرحومة ولن يخلف اللَّه عهده . وعدها بالنصر والعزة وعلو الكلمة ومهّد لها سبيل ما وعدها إلى يوم القيامة ، وما جعل لمجدها أمدا ولا لعزتها حدّا . هذه أمة أنشأها اللَّه من قلة ورفع شأنها إلى ذروة العلا حتى ثبتت أقدامها على قنن الشامخات ودكَّت بعظمتها عوالي الراسيات وانشقت لهيبتها مرائر الضاريات وذابت للرعب منها أعشار القلوب . « هال ظهورها الهائل كل نفس وتحير في سببه كل عقل واهتدى إلى السبب أهل الحق فقالوا قوم كانوا مع اللَّه فكان اللَّه معهم ، جماعة قاموا بنصر اللَّه واسترشدوا بكتابه فأمدهم بنصر من عنده . هذه أمة كانت في نشأتها فاقدة الذخائر معوزة من الأسلحة وعدد القتال ، فاخترقت صفوف الأمم واختطت ديارها فلا أبراج المجوس وخنادقهم دفعتها ولا قلاع الرومان ومعاقلهم صدتها ولا صعوبة المسالك عاقتها ولا أثر في همتها اختلاف الأهوية ، ولا تهيب نفوسها غزارة الثروة عند من سواها ولا راعها جلالة ملوكهم وقدم بيوتهم ولا تنوع صنائعهم ولا سعة دائرة فنونهم ولا عاق سيرها أحكام القوانين ولا تنظيم الشرائع ولا تقلب غيرها من الأمم في فنون السياسة .